مؤسسة سعاده للثقافة
 
تسجيلات المحاضرات العشر تسجيلات صوتية أخرى أغان وأناشيد سلسلة الإنسان الجديد ندوات ومحاضرات فيديوهات أخرى كتب دراسات النشاطات الإجتماعية ندوة الفكر الفومي مشاعل النهضة اللقاء السنوي مع سعادة خبرات القوميين نص ونقاش منوعات وطنية مؤتمرات الحلقات الإيذاعية مقابلات مقابلات نصية وثائق ديوان الشعر القومي مواد سمعية وبصرية معرض الصور
إبحث
 
دليل الموقع
 
 
 
 
 
 
 
بسط وإيضاح «في ما دفعني إلى إنشاء الحزب السوري القومي» (رسالة إلى حميد فرنجية)[1]
 
 
 
الـمعرض،بيروت،العدد 1936/2/25،1094،
 

 

كنت حدثاً عندما نشبت الـحرب الكبرى سنة 1914 ولكن كنت قد بدأت أشعر وأدرك. وكان أول ما تبادر إلى ذهني، وقد شاهدت ما شاهدت، وشعرت بـما شعرت، وذقت ما ذقت، مـما مُنِيَ به شعبي، هذا السؤال: ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟ ومنذ وضعت الـحرب أوزارها أخذْتُ أبحث عن جواب لهذا السؤال وحلّ للمعضلة السياسية الـمزمنة التي تدفع شعبي من ضيق إلى ضيق فلا تنقذه من دب إلا لتوقعه في جب.

 

وكان أن سافرت أوائل سنة 1920 وقد بُعِثت الأحقاد الـمذهبية من مراقدها والأمة لـمّا تدفن أشلاءها.

 

ولم تكن الـحال في الـمهجر أحسن إلا قليلاً. فقد فعلت الدعاوات فعلها في الـمهاجرين فانقسموا شيعاً. وكانوا كلهم سوريين. ولكن فئة كبيرة منهم خضعت للنعرات الـمذهبية. فنشأت هناك أيضاً الفكرة اللبنانية التي هي نتيجة بقاء زعامة الـمؤسسات الدينية وسلطانها ونفوذها.

 

وبديهي أني لم أكن أطلب الإجابة على السؤال الـمتقدم من أجل الـمعرفة العلمية فحسب. فالعلم الذي لا يفيد كالـجهالة التي لا تضر. وإنـما كنت أريد الـجواب من أجل اكتشاف الوسيلة الفعالة لإزالة أسباب الويل. وبعد درس أوليّ منتظم قررت أنّ فقدان السيـادة القوميـة هو السبب الأول في ما حـل بأمتي وفي ما يحـل بها. وهذا كان فاتـحة عهـد درسـي الـمـسألـة القوميـة ومسـألـة الـجماعـات عموماً والـحقوق الاجتماعية

 

 

وكيفية نشوئها. وفي أثناء درسي أخذت أهمية معنى الأمة وتعقّده في العوامل الـمتعددة تنمو نـموها الطبيعي في ذهني. وفي هذه الـمسألة ابتدأ انفرادي عن كل الذين اشتغلوا في سياسة بلادي ومشاكلها القومية. هم اشتغلوا للحرية والاستقلال مطلقين، فخرج هذا الاشتغال عن العمل القومي بالـمعنى الصحيح. أما أنا فأردت «حرية أمتي واستقلال شعبي في بلادي» والفرق بين هذا الـمعنى التعييني والـمعنى السابق الـمطلق واضح. وكنت أحاول في جميع الأحزاب والـجمعيات السورية التي اتفق لي الانخراط فيها أو تأسيسها أو الاتصال بها أن أوجه الأفكار إلى ما وصلت إليه فلم أوفق كثيراً.

 

ويـمكنني أن أعيّن موقفي بالنسبة إلى موقف الـمتزعمين السياسيين من بني قومي بأن موقفي أخذ يتجه رويداً حتى ثبت على الأساس القومي، بينما موقفهم كان ولم يزل على الأساس السياسي. والسياسة من أجل السياسة لا يـمكن أن تكون عملاً قومياً.

 

بناء عليه ولـما كان العمل القومي الشامل الـمتناول مسألة السيادة القومية ومعنى الأمة لا يـمكن أن يكون عملاً خالياً من السياسة، رأيت أن أسير إلى السياسة باختطاط طريق نهضة قومية جديدة تكفل تصفية العقائد القومية وتوحيدها وتوليد العصبية (Esprit de corps) الضرورية للتعاون القومي في سبيل التقدم والدفاع عن الـحقوق والـمصلحة القومية.

 

ولـما كانت دروسي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية قد أوصلتني إلى تعيين أمتي تعييناً مضبوطاً بالعلوم الـمتقدمة وغيرها، وهو حجر الزاوية للبناء القومي، وإلى تعيين مصلحة أمتي الاجتماعية والسياسية من حيث حالاتها الداخلية ومشاكلها الداخلية والـخارجية، وجدت أن لا بد لي من إيجاد وسائل تؤمِّن حماية النهضة القومية الـجديدة في سيرها. ومن هنا نشأت فيَّ فكرة إنشاء حزب سرّي يجمع، في الدرجة الأولى، عنصر الشباب النزيه البعيد عن مفاسد السياسة الـمنحطة. فأسست الـحزب السوري القومي ووحدت فيه العقائد القومية في عقيدة واحدة هي «سورية للسوريين والسوريون أمة تامة»، ووضعت مبادىء الـجهة الإصلاحية كفصل الدين عن الدولة وجعل الإنتاج أساس توزيع الثروة والعمل وإيجاد جيش قوي يكون ذا قيمة فعلية في تقرير مصير الأمة والوطن، واتَّخذْتُ الصفة السرية للحزب صيانة له من هجمات الفئات التي تخشى نشوءه ونـموه ومن السلطات التي قد لا ترغب في وجوده. وجعلت نظامه فردياً في الدرجة الأولى مركزياً متسلسلاً (Hierarchique) منعاً للفوضى في داخله واتقاء نشوء الـمنافسات والـخصومات والتحزبات والـمماحكات وغير ذلك من الأمراض السياسية والاجتماعية، وتسهيلاً لتنمية فضائل النظام والواجب. ولقد وضعت كل ذلك وأسست الـحزب بصرف النظر عن وجود الانتداب أو عدم وجوده، فالـحزب لم ينشأ خصيصاً لأن الانتداب موجود، بل لـجعل الأمة السورية موحدة وصاحبة السيادة على نفسها والإرادة في تقرير مصيرها. ولـما كان الانتداب أمراً عارضاً فإن النظر في موقفه وموقف الـحزب منه يأتي في الدرجة الثانية أو الطور الثاني، السياسي. ولذلك فالـحزب ليس مؤسساً على مبدأ كره الأجانب أو (Chauvinisme) بل على مبدأ القومية. وأما أنّ تطبيق الانتداب قد ساعد كثيراً على انتشار الـحزب في مدة وجيزة وقوّى الدوافع على إنشائه فذلك من الـمسائل الفرعية التي لها أهميتها الـمحدودة. وإذا كانت الـمسألة القومية تتجه بطبيعتها نحو تنازع البقاء بين السيادة القومية والانتداب فذلك أمر من طبيعة القومية وطبيعة الانتداب. أه. بإيجاز.

 

سجن الرمل - 10 ديسمبر/كانون الأول 1935

 

                                                                  أنطون سعاده

 


[1] كان حميد فرنـجية أحد الـمحاميـن الذين تقدموا للدفاع عن سعاده في «الـمحكمة الـمختلطة» الفرنسية إثر انكشاف أمر الحزب، وقد كتب سعاده هذه الرسالة من السجن بناءً على طلب منه.    

 

 
شارك هذه المقالة عبر:
 
 
 
تسجّل للإشتراك بأخبار الموقع
Close
 
 
الأسم الثلاثي
 
البريد الإلكتروني
 
 
 
 
 
@2024 Saadeh Cultural Foundation All Rights Reserved | Powered & Designed By Asmar Pro